العيني

10

عمدة القاري

فرقها المصدق أربعين فثلاث شياه ، وقال أبو يوسف : معنى الأول أن يكون لرجل ثمانون شاة ، فإذا جاء المصدق قال : هي بيني وبين إخوتي ، لكل واحد عشرون فلا زكاة ، أو أن يكون له أربعون ولأخوته أربعون فيقول : كلها لي ، فشاة . وفي ( المحيط ) : وتأويل هذا أنه كان له ثمانون شاة تجب فيها واحدة فلا يفرقها ويجعلها لرجلين فيأخذ شاتين ، فعلى هذا يكون خطابا للساعي ، وإن كانت لرجلين فعلى كل واحد شاة فلا تجمع ويؤخذ منها شاة ، والخطاب في هذا يحتمل أن يكون للمصدق بأن يكون لأحدهما مائة شاة وللآخر مائة شاة وشاة فعليهما شاتان فلا يجمع المصدق بينهما ، ويقول هذه كلها لك فيأخذ منه ثلاث شياه ، ولا يفرق بين مجتمع بأن يكون لرجل مائة وعشرون شاة فيقول الساعي : هي لثلاثة فيأخذ ثلاث شياه ، ولو كانت لواحد تجب شاة ، ويحتمل أن يكون الخطاب لرب المال ، ويقوى بقوله : ( خشية الصدقة ) أي : فيخاف في وجوب الصدقة فيحتال في إسقاطها بأن يجمع نصاب أخيه إلى نصابه فتصير ثمانين فيجب فيها شاة واحدة ، ولا يفرق بين مجتمع بأن يكون له أربعون فيقول نصفها لي ونصفها لأخي فتسقط زكاتها . وفي ( المبسوط ) : والمراد من الجمع والتفريق في الملك لا في المكان لإجماعنا على أن النصاب إذا كان في ملك واحد يجمع وإن كان في أمكنة متفرقة ، فدل أن المتفرق في الملك لا يجمع في حق الصدقة . قوله : ( خشية الصدقة ) مما تنازع فيه الفعلان ، والخشية خشيتان : خشية الساعي أن تقل الصدقة ، وخشية رب المال أن تكثر الصدقة ، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث شيئا من الجمع والتفريق . قيل : لو فرض أن المالكين أرادا ذلك لإرادة تكثير الصدقة أو وجوب ما لم يجب عليهما التماسا لكثرة الأجر ، أو لإرادة وقوع ما أراد التصدق به تطوعا ليصير واجبا . وثواب الواجب أكثر من ثواب التطوع ، فالظاهر جواز ذلك . ومما يستفاد من الحديث : النهي عن استعمال الحيل لسقوط ما كان واجبا عليه . ويجري ذلك في أبواب كثيرة من أبواب الفقه ، وللعلماء في ذلك خلاف في التحريم أو الكراهة أو الإباحة ، والحق أنه كان ذلك لغرض صحيح فيه رفق للمعذور وليس فيه إبطال لحق الغير ، فلا بأس به من ذلك في قوله تعالى : * ( وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ) * ( ص : 44 ) . وإن كان لغرض فاسد : كإسقاط حق الفقراء من الزكاة بتمليك ماله قبل الحول لولده ، أو نحو ذلك ، فهو حرام أو مكروه على الخلاف المشهور في ذلك . وقال بعضهم : واستدل به على أن من كان عنده دون النصاب من الفضة ودون النصاب من الذهب مثلاً إنه لا يجب ضم بعضه إلى بعض حتى يصير نصابا كاملاً فتجب فيه الزكاة ، خلافا لمن قال : يضم على الأجزاء كالمالكية ، أو على القيم كالحنفية . انتهى . قلت : هذا استدلال غير صحيح لأن النهي في الحديث معلل بخشية الصدقة ، وفيه إضرار للفقراء بخلاف ما قاله المالكية والحنفية فإن فيه نفعا للفقراء وهو ظاهر . وقيل : استدل به لأحمد على أن من كان له ماشية في بلد لا تبلغ النصاب كعشرين شاة ، مثلاً بالكوفة ، ومثلها بالبصرة أنها لا تضم باعتبار كونها ملك رجل واحد ويؤخذ منها الزكاة . قلت : قد ذكرنا عن قريب أن الجمع والتفريق أن يكون في الملك لا في المكان ، وعن هذا قال ابن المنذر : خالفه الجمهور فقالوا : يجب على صاحب المال زكاة ماله ولو كان في بلدان شتى ، ويخرج منه الزكاة . 53 ( ( بابٌ ما كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه ما كان من خليطين إلى آخره ، وكلمة : ما ، هنا تامة نكرة متضمنة معنى حرف الاستفهام ، ومعناها أي : شيء كان من خليطين فإنهما يتراجعان ، والخليطان تثنية خليط ، واختلف في المراد بالخليط ، فذهب أبو حنيفة إلى أنه الشريك ، لأن الخليطين في اللغة التي بها خاطبنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، هما الشريكان اللذان اختلط مالهما ولم يتميز كالخليطين من النبيذ . قاله ابن الأثير ، وما لم يختلط مع غيره فليسا بخليطين ، هذا ما لا شك فيه ، وإذا تميز مال كل واحد منهما من مال الآخر فلا خلطة ، فعلى قول أبي حنيفة : لا يجب على أحد من الشريكين أو الشركاء فيما يملك إلاَّ مثل الذي كان يجب عليه لو لم يكن خلط ، وذكر في ( المبسوط ) ، وعام كتب أصحابنا : أن الخليطين يعتبر لكل واحد نصاب كامل كحال الانفراد ، ولا تأثير للخلطة فيها سواء كانت شركة ملك بالإرث والهبة والشراء ونحوها ، أو شركة عقد كالعنان والمفاوضة . ذكره الوبري وقال ابن المنذر : اختلفوا في رجلين بينهما ماشية نصاب واحد ، قالت طائفة : لا زكاة عليهما ، قال :